أحمد بن علي القلقشندي
310
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
« ورود مثاله يتضمّن نبأ سطوره العظيمة أمر طوفان النّيل التي كأنّها جداوله ، وأنّه جاد لمؤمّله بنفسه التي ليس في يده غيرها فليتّق اللَّه سائله . . . » . ومنها : « ولم يزل يجري لمستقرّ له ، ويضمّه شيئا فشيئا إلى أن أدرك آخره أوّله ؛ حتى إذا تكامل سموّ أمواجه حالا على حال ، وتنوّر أقاصي الأرض من بنية المقياس فأدناها النّظر العال ، فلم يترك بقعة كانت من قبل فارغة إلا وكلَّها عند نظره ماق ، وليت هواه المعتلّ كان عدلا فحمّل كلّ غدير ما أطاق ؛ وطالما جرى بالصّفا ولكن كدّر صفاه بهذا المسعى ، والمرجوّ من اللَّه أن يتلو ما أفسده هذا الماء ما يصلحه خروج المرعى » . وما قاله القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر ، سقى اللَّه تلك الألفاظ النّيليّة صوب الماطر : « . . وينهي إليه أمر النّيل الذي سرّ في أوائله الأنفس بأنفس بشرى ، ويقصّ عليه نبأه العظيم الذي ما يرينا من آية إلا هي أكبر من الأخرى ، ويصف له ما ساقه إلى الأرض من كلّ طليعة إذا تنفّس اللَّيل تفرّق صبحها وتفرّى ؛ فهو وإن كان خصّ اللَّه البلاد المصرية بوفوره ووفائه ، وأغنى به قطرها عن القطر فلم يحتج إلى مدّ كافه وفائه ، ونزّهه عن منّة الغمام الذي هو إن جاد فلا بدّ من شهقة رعده ودفعة بكائه ، فقد وطيء بلادها بعسكره العجّاج ، وزاحم ساحتها بأفواج الأمواج ، فعمل فيها بذراعه ، ودار عليها بخناقه وتخلَّلها بنزاعه ، وحملها على سواري الصّواري تحت قلوعه وما هي إلا عمد قلاعه ، وزار زرابيّ الدّور المبثوثة ، وجاس خلال الحنايا كأنّ له فيها خبايا موروثة ، ومرق كالسّهم من قناطره المنكوسة ، وعلا زبد حركته ولولاه ظهرت في باطنه من الأقمار والنّجوم أشعّتها المعكوسة ، وحمل على بركة الفيل ( 1 ) حمل الأسود على الأبطال ، وجعل » المجنونة « ( 2 ) من تيّاره
--> ( 1 ) قال المقريزي : « هذه البركة فيما بين مصر والقاهرة ، وهي كبيرة جدا . ولم يكن في القديم عليها بنيان ، ولما وضع جوهر القائد مدينة القاهرة كانت تجاه القاهرة . وكان ما بين حارة السودان وحارة اليانسية وبين بركة الفيل فضاء ، ثم عمر الناس حول بركة الفيل بعد الستمائة حتى صارت مساكنها أجلّ مساكن مصر كلها » ( خطط المقريزي : 2 / 161 - انظر أيضا : الانتصار : 5 / 45 ) . ( 2 ) هي الجزيرة المعروفة بحليمة ؛ قال المقريزي : وهذه الجزيرة خرجت في سنة 747 ه ما بين بولاق والجزيرة الوسطى . سمتها العامة بحليمة وأقام أهل الخلاعة والمجون هناك وتهتكوا بأنواع المحرمات . وفي هذه الجزيرة يقول الأديب إبراهيم المعمار : جزيرة البحر جنّت بها عقول سليمة لما حوت حسن مغنى ببسطة مستقيمة ولم تزل ذا احتمال ما تلك إلا حليمة « ( خطط : 2 / 187 ) .